في ذاكرةِ الوجع، هناك دائماً ركنٌ دافئٌ تفوحُ منه رائحةُ الطمأنينة، ركنٌ لم تصله رياحُ الغدر ولا غبارُ الجحود. هناك، حيثُ يرقدُ (سيدي وهو جدي الذي رباني) و(أمي وهي جدتي التي ربتني وارضعتني).. الجذرانِ اللذان حملا غُصني الغريب قبل أن تكسرهُ يدُ الإهمال.
يقولُ صاحبي:لقد ورثتُ منهما ما لا تشتريهِ الأموال؛ ورثتُ كرامةً تأبى أن تنحني، وقلباً يخافُ الله في المظلوم. ربّياني حين كان الحنانُ شحيحاً، وأطعماني من بياضِ قلبيهما قبل طعامِ أيديهما. في بيتهما، لم أكن (ابناً بلا أم)، بل كنتُ (سيدَ القوم) الذي لا يجرؤُ أحدٌ على خدشِ كبريائه ما داما على قيدِ الحياة.كانا السدَّ المنيع أمام سيولِ التهميش. لم يسألاني عن (مظاهر) بل علماني (الجوهر). رحلا، ورحلَ معهما ذاك الزمن الذي كان فيه (الخالُ والداً) و(الجدُّ وطناً). اليوم، وأنا أواجهُ جحودَ الأقرباء وصمتَ الأحباء، أتذكرهما وأبتسمُ برغمِ الألم، فبذرةُ النبلِ التي زرعاها في داخلي هي التي تجعلني اليوم أترفعُ عن تمثيليات النفاق، وأبني بيتي بكرامتي ولو نَقُصت أبوابه.يا أيها الراحلانِ الحاضران، إنَّ كلَّ نجاحٍ أحققهُ هو امتدادٌ لدعواتكما، وكلَّ صمودٍ لي في وجهِ من استعاروا مني هو مفعولُ ذاك الصدقِ الذي رضعتهُ في بيتكما.إليكما، أهدي كلَّ حرفٍ يُكتبُ في (ملاذ)، فأنتما الوفاءُ الوحيد الذي لم يتبدل، وأنتما السندُ الذي لم يخذل

