بقلم: رفيق القلم
يحدثُ أن تفقدَ بوصلتك في زحامِ الحياة، وتتقاذفك أمواجُ الجحودِ من أقربِ الناس، فتجدُ نفسك تبحثُ عن مرفأٍ قديم، عن رائحةِ ترابٍ طاهرة، وعن ذكرياتٍ لم يلوثها نفاقُ الحاضر.
هناك، في عمقِ الذاكرة، يقفُ شامخاً كالجبل سيدي(جدي الذي رباني )، وتحفُّه برقتها الغيمة أمي (جدتي التي ربتني ).
هما ليسا مجرد جدَّين؛ هما “الدولة” التي آوتني حين كنتُ بلا مأوى، وهما “الدستور” الذي علمني كيف أكون رجلاً عصامياً في زمنِ الانكسار.
فصْلُ الحماية: حين كُنتُ في كنفِ العمالقة
لقد رباني سيدي خليفة على أنَّ الكرامةَ أغلى من الخبز. في بيته، لم أشعر يوماً بغيابِ الأبِ المنشغلِ بصراعاتِ الدنيا وزيجاتِها، ولا بغيابِ الأمِّ التي غادرتني مبكراً.
كان سيدي يضعُ هيبتَهُ سياجاً حولي؛ كان يكفي أن ينظرَ في عينِ من يحاولُ تهميشي ليصمتَ الجميع.
لم يكن يخافُ في الحقِّ لومةَ لائم، حتى ضدَّ أقربِ المقربين.
علمني أنَّ صلةَ الرحمِ فعلٌ، وأنَّ حمايةَ الصغيرِ أمانةٌ يُسألُ عنها المرءُ أمام جبارِ السماوات.
أما أمي ، فكانت هي السكينة التي تُرممُ انكساراتِ روحي. كانت يداها تمسحانِ عني غبارَ اليُتمِ قبل أن يراهُ أحد. في ملامحِ وجهها، قرأتُ معنى “خوفِ الله في اليتيم”.
لم تكن تفرقُ بيني وبين أبنائها، بل كانت تميزني بفيضِ ودٍّ، كأنها تريدُ أن تعوضني عن كلِّ حرمانٍ قادمٍ علِمَتْ بفراستها أنه ينتظرني.
فصْلُ الشتات:
ما بعدَ الرحيلِ المُرحين غادراني، لم يرحل جسداهما فحسب، بل رحلَ معهما “الأمانُ الجماعي”.
سقطَ السقفُ الذي كان يسترني، وانكشفت الوجوهُ التي كانت تتظاهرُ بالحبِّ خوفاً منهما.
فجأةً، وجدتُ نفسي في مواجهةِ “عالمٍ” لا يعرفُ إلا المظاهر، وأقرباءٍ يزنون المرءَ بمدى خدمتهِ لمصالحهم، لا بصدقِ معدنه.
يا سيدي ، لو رأيتَ اليوم كيف يتهكمُ من كنتَ تحميهم على “بيتي الناقصِ الأبواب”، ولو رأيتِ يا أمي كيف يتباهى مَن آويتهم بما يملكون وهم ينكرون فضلَ من ضحى لأجلهم.. لعلمتُما أنكما كنتما المعجزةَ الوحيدة في هذا الوسطِ القاحل.
لقد تركتماني بجسدٍ عصاميٍّ يبني من العدم، وبقلبٍ ممتلئٍ بمبادئكما، وهذا هو “الميراثُ الحقيقي” الذي لا يستطيعون انتزاعه مني، مهما تهمشوا أو تنكروا.
خاتمةٌ للوفاء:
الردُّ بالنجاحإنَّ الكتابةَ عنكما في ليست مجرد نوحٍ على الأطلال، بل هي إعلانُ تمردٍ على واقعٍ يخلو من قيمكما.
أنا اليوم أقفُ قوياً بذكراكما؛ أبني بيتي بكرامتي، وأربي بناتي على ذاتِ “خوفِ الله” الذي زرعتماه فيَّ.سأظلُّ أحكي عنكما، عن سيدي الذي لم يظلم، وعن أمي التي لم تخذل.
سأظلُّ أقولُ لكلِّ الدنيا: إنَّ من تربى في مدرسةِ الوفاء، لا تكسرهُ رياحُ الجحود، ومن كان له “مثلكما” في طفولته، يملكُ ثروةً أخلاقيةً تغنيه عن كلِّ عطايا البشرِ المسمومة.رحمكما الله رحمةً واسعة، وألحقني بكما وأنا على ذاتِ العهد، صامداً، عصامياً، وفياً.. كما أردتما لي أن أكون

