يحدثُ كثيراً في غمارِ هذه الحياة، أن يولدَ المرءُ مرتين؛ مرةً حين تضعهُ أمه، ومرةً حين يصنعُ نفسه من العدمِ وسطَ ريحٍ عاتيةٍ من الخذلان.هناك صنفٌ من البشرِ قُدّر لهم أن يكونوا (جسوراً) يعبرُ عليها الآخرون نحو الأمان، حتى إذا ما وصلوا ضفةَ النجاة، أحرقوا الجسرَ خلفهم وادّعوا أنهم طاروا بأجنحتهم! هؤلاء هم الذين يمنحون (الغريب) مبررات العداء، ويحرمون (القريب) حقَّ العتاب.ما أقسى أن يُقاسَ القُربُ بالمظاهرِ لا بالمواقف، وأن يُحاسبَ المظلومُ على صرختهِ ويُعذرَ الظالمُ على سِكينه. حين يغدو (البيتُ الناقصُ) الذي بُني بالعرقِ والدموعِ “جريمةً” في نظرِ الأهلِ لا تستحقُ المباركة، بينما تغدو قصورُ الآخرين الممنوحة لهم “إنجازاً” يُحتفى به.. هنا تسقطُ أقنعةُ القرابةِ وتنكشفُ عورةُ النفوس.إنَّ الغربةَ الحقيقية ليست في البعدِ عن الديار، بل في الجلوسِ على مائدةٍ واحدةٍ مع أشخاصٍ ينهشون تاريخك في غيابك، ويستكثرون عليك كرامتك في حضورك. أولئك الذين يحفظون تاريخ (عثراتك) لينشروه، وينسون تاريخ (تضحياتك) ليجحدوه.سلامٌ على أولئك الصامتين، الذين يرممون أرواحهم بأنفسهم، ويسكنون بيوتهم بكرامةٍ ولو خلت من الأبواب، ويفرّون إلى (ملاذ) الكتابةِ ليغسلوا أوجاعهم من دنسِ النفاق. سلامٌ على من اكتفوا باللهِ وكيلاً، وبالصدقِ سبيلاً، وبالوحدةِ أنيساً من خذلانِ من ظنوهم يوماً.. سنداً.

